محمد أبو زهرة
1891
زهرة التفاسير
المرة الثانية لبيان استغنائه عن خلقه ، وأن تقواهم لمصلحة أنفسهم ولخيرهم ، وليس له بها حاجة بل هو الغنى المحمود دائما . وذكر هذا الكلام في المرة الثالثة لبيان حاجة الناس إليه ، وأنهم فقراء إليه في مقابل غناه عنهم ، تعالى الله علوا كبيرا . وبعد هذا بين سبحانه قدرته القاهرة ، وأنه هو الذي أنشأ الناس ، وطالبهم بالعبادة ، وأن من أنشأ يستطيع الإفناء ، ويستطيع التبديل والتغيير في خلقه ، فيستبدل بالناس ناسا ، وبالأقوام أقواما ، ولذلك قال سبحانه : إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً والمعنى الجملي للنص السامي : إن يشأ الله تعالى أيها الناس إفناءكم ويأت بآخرين ، فإنه سبحانه وتعالى يفعل ؛ لأنه على ذلك قادر قدرة مطلقة لا يحدها حد . وهي العامة الشاملة لكل شئ ، وهنا نجد جواب الشرط قد حذف ودل عليه قوله تعالى : وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً وحذفه مع ما يدل عليه يجعل الذهن يتجه إلى تعرف مدى عظمته وقدرته ، وحذف مفعول المشيئة في قوله إِنْ يَشَأْ قد دل عليه جواب الشرط في قوله : يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ . ومن هم الناس الذين خوطبوا بذلك الخطاب ؟ . يحتمل هذا وجهين : أحدهما ، أن يكون الخطاب للناس في أمة محمد ، ومن كانوا قبلهم ، ويكون الكلام تابعا لمقول القول المقدر عند من قدره في قوله تعالى : وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ ويكون أيضا قوله تعالى : وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا له هذه التبعية . ويكون الكلام كله في خطاب السابقين واللاحقين . وقد قلنا إن ذلك غير الظاهر . والوجه الثاني أن يكون الخطاب في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو بهذا يشمل المؤمنين والمشركين . ويكون للمشركين بشكل خاص . وإن اختلاف التوجيه على هذا النحو يترتب عليه الاختلاف في جواب الشرط ، وهو من الذين يذهبهم الله تعالى ، ويأتي بآخرين ، وله القدرة التامة على تنفيذ ما يقول تعالى ؟ فعلى الوجه الأول يكون المعنى : إن يشأ سبحانه أن يذهب بهذا العالم الإنسانى ، ويأتي بعالم